العيني
215
عمدة القاري
ذكر معناه : قد مضى الكلام فيه مستوفىً في : باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب ، ولكن نذكر ههنا ما لم نذكر هناك زيادة للبيان وإن وقع فيه بعض تكرار ، فنقول : قوله : ( إن رجالاً ) لم يسموا من هم . قوله : ( وقد امتروا ) جملة في محل النصب على الحال من : الامتراء . قال الكرماني : وهو الشك ، وقال بعضهم : من المماراة : وهي المجادلة ، والذي قاله الكرماني هو الأصوب . قوله : ( والله إني لا أعرف مما هو ) أي : من أي شيء هو ، أي : عوده ، وإنما أتى بالقسم مؤكدا بالجملة الإسمية وبكلمة : أن ، التي للتحقيق ، وبلام التأكيد في الخبر لإرادة التأكيد فيما قاله للسامع . قوله : ( ولقد رأيته أول يوم وضع ) أي : لقد رأيت المنبر في أول يوم وضع في موضعه ، وهو زيادة على السؤال ، وكذا قوله : ( وأول يوم جلس عليه ) ، أي : أول يوم جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ، وفائدة هذه الزيادة المؤكدة باللام وكلمة : قد للإعلام بقوة معرفته بما سألوه . قوله : ( ارسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) إلى آخره شرح جوابه لهم وبيانه فلذلك فصله عما قبله ولم يذكره بعطف قوله ( إلى فلانة ) ، فلان للمذكر وفلانة للمؤنث ، كناية عن اسم سمي به المحدث عنه خاص غاالب ، ويقال في غير الناس الفلان والفلانة ، والمانع من صرفه ، وجود العلتين : العلمية والتأنيث . وقد ذكرنا في : باب الصلاة على المنبر ، ما قالوا في اسمها ، وكذلك ذكرنا الاختلاف في صانع المنبر على أقوال كثيرة مستقصاة ، وفي حديث سهل المذكور وهناك : عمله فلان مولى فلانة ، وههنا قوله : ( مري غلامك ) تقديره : أرسل إليها ، وقال لها : مري غلامك ، وهو أمر من : أمر يأمر ، وأصله : أؤمري ، على وزن افعلي ، فاجتمعت همزتان فنقلتا فحذفت الثانية واستغنيت عن همزة الوصل فصار مري على وزن : علي ، لأن المحذوف فاء الفعل . قوله : ( غلامك النجار ) بنصب النجار لأنه صفة للغلام ، وقد سماه عباس بن سهل بأن اسمه ميمون ، وقد ذكرنا هناك من رواه ، ويقال اسمه : مينا ، ذكره إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه ، قال : عمل المنبر غلام لامرأة من الأنصار من بني سلمة أو بني ساعدة أو امرأة لرجل منهم يقال له مينا . وأشبه الأقوال التي ذكرت في صانع المنبر بالصواب قول من قال : هو ميمون ، لكون الإسناد فيه من طريق سهل بن سعد ، وبقية الأقوال بأسانيد ضعيفة بل فيها شيء واه . فإن قلت : كيف يكون طريق الجمع بين هذه الأقوال وهي سبعة على ما ذكرنا في : باب الصلاة على المنبر ؟ قلت : لا طريق في هذا إلا أن يحمل على واحد بعينه ما هو في صنعته والبقية أعوانه . فإن قلت : لم لا يجوز أن يكون الكل قد اشتركوا في العمل ؟ قلت : جاء في روايات كثيرة أنه لم يكن بالمدينة إلاّ نجار واحد . فإن قلت : متى كان عمل هذا المنبر ؟ قلت : ذكر ابن سعد أنه كان في السنة السابعة ، لكن يرده ذكر العباس وتميم فيه ، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان ، وقدوم تميم سنة تسع ، وذكر ابن النجار بأنه كان في سنة ثمان ، ويرده أيضا ما ورد في حديث الإفك في ( الصحيحين ) : ( عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : فثار الحيان الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ، فحفضهم حتى سكتوا ) . وعن الطفيل بن أبي ابن كعب عن أبيه قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع إذ كان المسجد عريشا ، وكان يخطب إلى ذلك الجذع . فقال رجل من أصحابه : يا رسول الله ! هل لك أن نجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة وتسمع الناس يوم الجمعة خطبتك ؟ قال : نعم ، فصنع له ثلاث درجات هي على المنبر ، فلما صنع المنبر وضع موضعه الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم فيخطب عليه ، فمر إليه ، فلما جاز الجذع الذي كان يخطب إليه خار حتى تصدع وانشق ، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده ثم رجع إلى المنبر ) . وعن عائشة ، رضي الله تعالى عنها : ( لما وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على الجذع وسكنه غار الجذع فذهب ) . وقيل : لما سكن لم يزل على حاله ، فلما هدم المسجد أخذ ذلك أبي بن كعب فكان عنده إلى أن بلي وأكلته الأرض ، فعاد رفاتا ، رواه الشافعي وأحمد وابن ماجة . وفي رواية : لما وضع يده على الجذع سكن حنينه ، وجاء في رواية أخرى : ( لو لم أفعل ذلك لحن إلى قيام الساعة ) . فإن قلت : حكى بعض أهل السير أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب . قلت : يرده الحديث الذي ذكرناه ، والأحاديث الصحيحة ، أنه صلى الله عليه وسلم كان يستند إلى الجذع إذا خطب . ثم إعلم أن المنبر لم يزل على حاله ثلاث درجات حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله ، وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكار في ( أخبار المدينة ) بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، قال : بعث معاوية إلى مروان وهو عامله على المدينة أن يحمل المنبر إليه فأمر به فقلع : فأظلمت المدينة ، فخرج مروان فخطب فقال :